Overblog Tous les blogs Top blogs Lifestyle
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Eclaircissement sur la religion Al islam La soumission, avec la compréhensions des Pieux Predecesseurs salafs anti terrorisme voile priere sounnah Qoran Compagnons revelation groupe sauvé secouru

Publicité

kalam a-imati da3wa fi iqamat al hujja 3ala almu3ayan

 

 

كلام أئمة الدعوة -رحمهم الله-

(في إقامة الحجة على المُعَيَّن)

 

 

 

 

إعداد:

 

 

رشيد أحمد عويش

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)(آل عمران: 102)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء: 1)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)(الأحزاب: 70-71)

أما بعد:

فإن خير الكلام كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد-صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النّار .

أما بعد:

إن قضية تكفير المعيّن من أخطر القضايا التي عاشتها الأمة الإسلامية منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا، فقد ظهرت فرقة الخوارج في أوائل زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وفي زمن خلافة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد-رضي اللّه عنهما-، وكَفَّروه وحاربوه ظلمًا وعدوانًا وكفّروا صحابة رسول اللّه والمسلمين الذين كانوا معه بل قتلوا بعضهم.

وتتابعت الفرق ظهورًا بعد فرقة الخوارج إلى زماننا هذا، فأمَّا أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، فقد هداهم اللّه إلى الحق ووفقهم للزومه، وكانوا وسطًا بين الغالي فيه والجافي عنه.

وهذه الفرقة-أي الخوارج-قد أصَّلَت منهجها الخطير في تكفير المسلمين، فتصدى لهؤلاء أئمة من أهل الحق، بيَّنوا زيفهم وباطلهم بأدلةٍ ناصعة واضحة، منذ زمن الصحابة إلى يومنا هذا.

ومن ضمن أولئك الأئمة الذين هم على الحق أئمة الدعوة([1])، وعلى رأسهم شَيخ الإسلام المجدّد لمعالم الدين، محمد بن عبد الوهاب التميمي([2])-رحمه اللّه رحمة واسعة-، فقد بَيَّنوا-رحمهم اللّه-منهجهم في تكفير المعيّن، وأنهم سائرون في ذلك على منهج السلف الصالح، فأوردت بعض نصوصهم في وجوب(إقامة الحجة على المعيّن قبل تكفيره)على قدر المستطاع، ولم أستوعبها كلها لعدم توفر المصادر العلمية لديّ، وقد نقلت عنهم-رحمهم اللّه-أكثر من ثلاثين نَصًا من كلامهم، وهذا-إن شاء اللّه تعالى-يكون كافيًا شافيًا، لإخواننا الذين فهموا كلام أئمة الدعوة فهمًا خاطئًا،-واللّه يغفر للجميع-.

وختمت هذه الرسالة ببيان الحق فيه مسألة(فهم الحجة)، وبيّنت أن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وسائر أئمة الدعوة، أنهم كانوا يرون اشتراط فهم الحجة، وأنهم في ذلك مُتَّبِعون لا مُبْتَدِعون، ونقلت تعليقًا لمحمد رشَيد رضا على كلام الشيخ أبا بطين-رحمه اللّه-، به يزول كثير من الإشكالات في هذه المسألة، وأن مذهب المحققين من أهل العلم والحديث، أنه لا بد مع قيام الحجة من فهمها .

والذي دفعني إلى جمع كلامهم-رحمهم اللّه-، الدفاع عنهم إذ نُسِبَ إليهم غير ما يعتقدون، مما سطرّوه ودوّنوه في كتبهم.

وأسأل اللّه رب العرش العظيم، أن يجعل هذه الرسالة مباركة وخالصة لوجهه الكريم، ودفاعاً عن هؤلاء الأعلام إن ربنا لسميع الدعاء.

 

قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي-رحمه اللّه-في بيان عقيدته قائلًا:

1- (وأمّا التكفير: فأنا أُكَفِّر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبَّهُ، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله؛ فهذا هو الذي أُكَفِّر، وأكثر الأمة–ولله الحمد-ليسواْ كذلك).([3])

وقال أيضاً- رحمه اللّه-:

2-(وأمّا: ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتِهم، وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج، والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا، وجعل السدَنَة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور، التي أخبر بوقوعها النبي وحذر منها، كما في الحديث عنه أنه-صلى الله عليه وسلم-قال: (لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان)،([4])وهو-صلى الله عليه وسلم-حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسَدَّ كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، و ثبت فيه أيضًا: أنه بعث علي بن أبي طالب-رضي اللّه-عنه وأمره-صلى الله عليه وسلم-ألا يضع قبرًا مشرفًا إلا سوّاه، ولا تمثالًا إلا طَمَسَه.

ولهذا قال غير واحد من العلماء: (يجب هدم القباب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول-صلى الله عليه وسلم-).

فهذا: هو الذي أوجب الاختلاف، بيننا وبن الناس، حتى آل بِهِمُ الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا اللّه عليهم وظفرنا بِهِمْ، وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة، من كتاب وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-وإجماع السلف الصالح من الأئمة، ممتثلين لقوله-سبحانه وتعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(الأنفال: ٣٩)، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه السيف والسنان، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد: ٢5 (([5]).

وأرسل إليه صاحب اليمن يستفسر منه عن أمور بلغته عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، منها قوله: (وأمّا قول من لا أصدق: أنك تُكَفِّر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بِكُتُبِ المتأخرين، فأنت: أخبرني و أصدقني. مما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه ليستقر عندنا خبرك ومحبتك؟).

فأجاب الشيخ- رحمه اللّه- برسالة وجهها إلى صاحب اليمن يقول فيها:

3-(وأمّا القول: أنا نكفر بالعموم ؟، فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(النور: ١٦).([6])

وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه تعالى-عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟.

فأجاب:

4-(أركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان؛ ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقربها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود؟ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان، وأيضًا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر.

فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:

النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، الذي أظهرناه للناس، وأقَّرَ أيضًا: أنّ هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك باللّه، الذي بعث اللّه رسوله-صلى الله عليه وسلم-ينهى عنه ويقاتل أهله، ليكون الدين كله للّه، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك فهو كافر نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول-صلى الله عليه وسلم-فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولا من دخل فيه ولا يمدح الشرك ولا يُزَيِّنَه للناس.

النوع الثاني: من عرف ذلك ولكنه تبين في سب دين الرسول-صلى الله عليه وسلم-، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح كل من عبد يوسف والأشَقر، ومن عبد أبا علي، والخضر، من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد اللّه وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول وفيه قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)(البقرة:89)، وهو ممن قال اللّه فيه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)(التوبة:12).

 

 

النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك فهذا أيضًا كافر، فيه قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٩).

 

النوع الرابع: من سَلِمَ من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد وإتباع أهل الشرك، وساعد في قتالهم ويتعذر إن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بِمالِه ونفسه فهذا أيضًا كافر، فإنه لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم، فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم، فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك، قطع دين اللّه ورسوله أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضاً: كافر، وهو ممن قال اللّه فيهم: (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) إلى قوله: (وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا)(النساء:٩1)فهذا الذي نقول.

وأمّا الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نُكَفِّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نُكَفِّر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-.

وإذا كنا: لا نكفر من عَبَدَ الصنم، الذي على عبد القادر؛ والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من يُنَبِّهَهُم، فكيف نكفر من لم يشرك باللّه؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(النور: 16)بل نكفر تلك الأنواع الأربعة، لأجل محادتهم للّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ورحم اللّه امرءًا نظر نفسه وعرف أنه ملاق اللّه الذي عنده الجنة والنار-وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم-).([7])

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-في رسالة له إلى أحمد بن عبد الكريم وفيها:

5- (وأمّا عبارة الشيخ([8])التي لبَّسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكَفَّرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صَرَّح فيها بأن المعيَّن لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة.

فإن كان المعيَّن لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، مثل فهم أبي بكر-رضي اللّه عنه-، بل إذا بلغه كلام اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن([9])، مع قول اللّه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(الأنعام:25)وقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)(الأنفال:55) ([10]).

كلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن في بيان منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مسألة إقامة الحجة فخذ نصه بحروفه:

6-(وقال شيخنا، شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-سألني (الشريف) عما نقاتل عليه، وما نكفر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان بعد التعريف إذا عرف ثم أنكر).([11])

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمه اللّه- في رسالة له إلى محمد بن عيد ما نصهُ:

7- (اعلم أني عَرَّفت بأربع مسائل وذكر منها-رحمه اللّه-المسألة الثالثة، فقال: الثالثة: تكفير من بان له أنّ التوحيد هو دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ثم أبغضه ونَفَّرَ الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول-صلى الله عليه وسلم-فيه، ومن عرف الشرك، وأنّ رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-بُعِثَ بإنكاره، وأقَرَّ بذلك ليلًا ونهارًا، ثم مدحهُ وحَسَّنَه للناس، وزعم أنّ أهله لا يخطئون؛ لأنهم السواد الأعظم.

وأمّا ما ذكر الأعداء عنِّي، أني أكَفِّرُ بالظن وبالمولاة، أو أكَفِّرُ الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-).([12])

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في نفس رسالته إلى محمد عيد:

8- " فلما أظهرت تصديق الرسول-صلى الله عليه وسلم-فيما جاء به، سَبُّونِي غاية المسَبَّة، وزعمواْ أني أكَفِّر أهل الإسلام، وأستحل أموالهم، وصَرَّحواْ: أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر، وأنّ البوادي يفعلون من النواقض مع علمهم أنّ دين الرسول عند الحضر، وجحدوا كفرهم، وأنتم تذكرون: أنّ من رَدَّ شيئا مما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-بعد معرفته، أنه كافر.

فإذا كان المويس وابن إسماعيل، والعديلي، وابن عباد، وجميع أتباعهم، كلهم على هذا، صَرَّحْتُم غاية التصريح: أنهم كفار مرتدون).([13])

وعلته-رحمه اللّه-من أنّ هؤلاء كفار مرتدون عن الإسلام، لأنهم عرفواْ أنّ التوحيد الذي أظهره لهم الشيخ، هو دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-وأنهم يقرون بهذا عشرين سنة، ثم مع هذا يعادون التوحيد ومن مال إليه وينصرون الشرك مع إقرارهم بأنه شرك .

ولذلك قال-رحمه اللّه-بعد كلامه المتقدم:

9- (ونقول ثانيًا: إذا كانوا أكثر من عشرين سنة يقرون ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، أن التوحيد الذي أظهره هذا الرجل، هو دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، لكن الناس لا يطيعوننا، وأنّ الذي أنكره هو الشرك، وهو صادق في إنكاره، ولكن لو يَسْلَم من التكفير والقتال، كان على الحق، هذا كلامهم على رؤوس الأشهاد، ثم مع هذا يعادون التوحيد ومن مال إليه، العداوة التي تعرف، ولو لم يكفر ويقاتل وينصرون الشرك نصر الذي تعرف، مع إقرارهم بأنه مشرك([14])).([15])

قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-في رسالته إلى حمد التويجري، ما نصه:

10- (وكذلك تمويهه([16])على الطُغام ([17]): بأنّ ابن عبد الوهاب، يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد اللّه على ما يعلمه من قلوبنا، بأنّ من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان.

وإنما نُكَفِّر من أشرك باللّه في إلهيته، بعد ما نبيّن له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حَسَنَه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد التي يشرك باللّه عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها، واللّه المستعان، والسلام).([18])

كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه لا يكفر إليّ من عادى وصد الناس عن دين اللّه ورسوله ع وأيضاً من عبد الأوثان بعد ما عرف أنّها دين المشركين وزينه للناس يعني - أنه داعية له عياناً باللّه –:

11- (ما ذُكِرَ لكم عنِّي: أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حق يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان إنما المراد إتباع دين اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، في أي أرض كانت.

ولكن نكفر من أقَرَّ بدين اللّه ورسوله- صلى الله عليه وسلم-، ثم عاداه وصدَّ الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين المشركين، وزيَّنه للناس، فهذا الذي أكَفِّرُه، وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجلٌ معاند، أو جاهل، واللّه أعلم، والسلام).([19])

قال الشيخ عبد اللّه بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمهما اللّه-:

12- (وأمّا ما يُكْذُبُ علينا: سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق وعدّد-رحمه اللّه-أشياء إلى أن قال: وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة، إلاّ من هو على ما نحن عليه([20]).

ثم فصل بعد ذلك القول في هذه المسألة قائلًا:

(ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلاّ من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصَّرَ مستكبرًا معاندًا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يُصِرّون على ذلك الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات،

إلى أن قال-رحمه اللّه-: فإن قلت: هذا فيمن ذهل فلما نُبِّه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصرًا على ذلك حتى مات؟ قلت: لا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة.

إلى أن قال-رحمه اللّه-: هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال) ([21]) انتهى.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي- رحمه اللّه- فيما نقله عنه الشيخ سليمان بن سحمان-رحمه اللّه-:

13- (بل نشهد اللّه على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك باللّه في الإلهية، بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه، للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك باللّه عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها واللّه المستعان).([22])

وقال-أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب-في رسالته إلى السويدي البغدادي([23]):

14- (وما ذكرت أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أنّ أنكحتهم غير صحيحة! فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ وهل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ إلى أن قال: وأمّا التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسل ثم بعد ما عرفه سَبَّه ونهى عنه وعادى من فعله، هذا هو الذي أكفر وأكثر الأمة ليسواْ كذلك)([24])انتهى.

15-وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه اللّه-: (إنما نكفر من أشرك باللّه في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك)([25]).

 

 

 

 

 

وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود([26])-رحمهم اللّه تعالى-في خطاب له إلى أهل بلدان العجم والروم:

16- (ونحن نعلم أنه يأتيكم أعداء لنا يكذبون علينا عندكم، ويرموننا عندكم بالعظائم، حق يقولوا: إنهم يسبون النبي ويكفرون الناس بالعموم. وإنا نقول: إنّ الناس من نحو ستمائة سنة ليسِوا على شيء وإنهم كفار، وإنّ من لم يهاجر إلينا فهو كافر، وأضعاف أضعاف ذلك من الزور الذي يعلم العاقل أنه من الظلم والعدوان والبهتان.

ولكن لنا في رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-أسوة، فإن أعدائه قالوا إنه يشتم عيسى وأمه، وسموه بالصابئي والساحر والمجنون.

ونحن لا نكفر إليّ من عرف التوحيد وسبَّهُ، وسماه دين الخوارج، وعرف الشرك وأحبه، وأحب أهله، ودعى إليه، وحض الناس عليه بعد ما قامت عليه الحجة وإن لم يفعل الشرك، أو فعل الشرك، وسماه التوسل بالصالحين بعد ما عرف: أنّ اللّه حرمهُ، أو كره بعض ما أنزل اللّه، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)(محمد: 9)أو استهزأ بالدين أو القرآن كما قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)(التوبة: 65).

قال العلماء في هذه الآية: الاستهزاء باللّه كفر مستقل بالإجماع، والاستهزاء بالرسول-صلى الله عليه وسلم-كفر مستقل بالإجماع، وهذه الأنواع التي ذكرنا أننا نكفر من فعلها، قد أجمع العلماء كلهم من جميع أهل المذاهب على كفر من فعلها، وهذه كتب أهل العلم من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم موجودة وللّه الحمد والمنة وصلى اللّه على نبينا محمد وصحبه وسلم)([27]).

17- وقال العلامة اسحاق بن عبد الرحمن([28])-رحمه الله-بعد كلام طويل في بيان دعوة شيخ الاسلام وعقيدته وحاله-نقلا عنه–:

(قال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين، وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء، والصالحين، نحكم: بأنهم مشركون ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية؛ وما عدا هذا من الذنوب، التي هي دونه في المرتبة والمفسدة، لا نكفر بها ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور، بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه ؛ وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، ونحوهم ممن كَفَّرَهُم السلف: لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى، من سلف هذه الأمة ؛ ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين)([29])

وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن([30])-رحمه اللّه تعالى-عن عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل اللّه له الأجر والتواب، وحقيقة ما يدعو إليه؟

عند ذكر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه اللّه-محتجًا به ليُبَيِن للقارئ أنّ هذا مذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-في اشتراط إقامة الحجة قبل التكفير.

18- (قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنّ النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يشرع لِأمَتِه أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه: نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه اللّه ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-مما يخالفه)([31])

وقال أيضاً في رسالة له وجهها إلى عبد العزيز الخطيب ينكر عليه فيها أشياء، من ضمنها أنه قال:

19-(وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء، قد اعتزلا الجمعة والجماعة، وكَفَّروا مَنْ في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم يقولون: أهل الإحساء يجالسون: ابن فيروز، ويخالطونه، هو وأمثاله، ممن لم يكفر بالطاغوت و لم يصرح بتكفير جده الذي ردَّ دعوة الشيخ محمد، ولم يقبلها وعاداها؛ قالا: ومن لم يصرح بكفره، فهو كافر باللّه، لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله، ورتبوا على هاتف المقدمين الكاذبتين الضالتين، ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام فرفع إليَّ أمرهم فأحضرتهم، وتهددتهم وأغلظت لهم القول.

فزعموا أولًا: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنّ رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، و أدحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس.

وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عَبَدَ الصالحين، ودعاهم مع اللّه، وجعلهم أندادًا له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه من أهل العلم والإيمان)([32]) .

كلام صريح من أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعهم الشيخ حمد بن ناصر آل معمر([33])-رحمهم اللّه- في اشتراطهم إقامة الحجة على المعيّن.

20- (وَوَرَد عليهم سؤال هذا نصه: بلغنا أنكم تكفرون أناساً من العلماء المتقدمين، مثل ابن الفارض وغيره وهو مشهور بالعلم، من أهل السنة؟.

فأجابوا: ما ذكرت أنّْا نُكَفِّر ناسًا من المتقدمين وغيرهم، فهذا من البهتان الذي أشاعه عنا أعدائنا، ليجتالوا به الناس عن الصراط المستقيم، كما نسبوا إلينا غير ذلك من البهتان أشياء كثيرة، وجوابنا عليها أن نقول : (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(النور: 16)ونحن لا نكفّر إلا رجلًا عرف الحق وأنكره، بعد ما قامت عليه الحجة، ودُعِيَ إليه فلم يقبل، وتمرّد وعاند، وما ذُكر عنَّا من أنّا نكفّر غير من هذا حاله، فهو كذب علينا ..... ثم بيّنوا-رحمهم اللّه-بعد هذا الكلام الواضح البيّن، أنّ ابن الفارض ليس من أهل السنة بل هو من أهل الكفر والإلحاد.... إلى آخر ما ذكروه عنه).

ثم قالوا-رحمهم اللّه–:

21- (فتأمل كونه-رحمه اللّه-أطلق على هذا القول أنه كفر، و لم يتعرض لتكفير قائله، فافهم الفرق، لأن إطلاق الكفر على المعيّن الذي لم تقم عليه الحجة، لا يجوز، وأظن أن هذا الإمام الذي قال فيهم هذا الكلام-رحمه اللّه-ظَنَّ أن الحجة لم تقم على قائل هذا الكلام، وأن ابن الفارض وأمثاله لجهالتهم، لا يعلمون ما في كلامهم ومذهبهم من الكفر.....إلى آخر ما قالوه-رحمهم اللّه-).([34])

وقال الشيخ حسين([35])، والشيخ عبد اللّه([36])، أبناء الشيخ محمد-رحمهم اللّه تعالى-في أثناء جواب لهما:

22-(وقالا، المسألة الثامنة عشرة: في بلد بلغتهم هذه الدعوة، وبعضهم يقول: هذا الأمر حق ولا أغير منكرًا، ولا آمر بمعروف، ولا أعادي، ولا أوالي، ولا أقِّرُ أنه قبل هذه الدعوة على ضلال، وينكر على الموحدين، إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد، وبعضهم يكفر المسلمين جهارًا، أو يسب هذا الدين، ويقول: دين مسيلمة، والذي يقول: هذا أمر زين، لا يمكنه أن يقوله جهارًا، فما تقولون في هذه البلدة، على هذه الحالة، مسلمون أم كفار؟ وما معنى قول الشيخ([37]) وغيره، إنا لا نكفر بالعموم؟ وما معنى العموم من الخصوص الخ ؟

الجواب: أنّ أهل هذه البلدة المذكورين، إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار؛ والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر اللّه فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال.

والسامعون كلام الشيخ، في قوله: إنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر. فالتكفير بالعموم: أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه.

وأمّا التكفير بالخصوص فهو: أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة، التي يكفر من خالفها، وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار، حكمهم حكم الكفار، ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام، معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون، كما قال تعالى في أهل مكة في حال كفرهم: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(الفتح: ٢٥) وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء: ٧٥).

وفي الصحيح([38])عن ابن عباس-رضي اللّه عنهما-قال: (كنت أنا وأمي من المستضعفين )([39]).

كلام شيخ الإسلام فيما نقله عنه ابنه الشيخ عبد اللّه في تصريحه بكفر من فعل الشرك بعد إقامة الحجة عليه، وتعليقه عليه:

23- وتأمل أيضًا قول الشيخ-رحمه اللّه-في آخر الكلام: (ولا ريب أنّ أصل قول هؤلاء، هو الشرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره اللّه إلا بالتوبة منه، وأنّ ذلك يستلزم الردّة عن الدين والكفر برب العالمين، كيف صرح بكفر من فعل هذا وردته عن الدين، إذا قامت عليه الحجة من الكتاب والسنة، ثم أصر على فعل ذلك، وهذا لا ينازع فيه من عرف دين الإسلام، الذي بعث اللّه به رسوله محمدًا واللّه أعلم)([40]).

كلام الشيخ عبد اللّه بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمهما اللّه-أنه لا يكفر من كان جاهلا حتى تقام عليه الحجة الرسالية، ثم استدل على ذلك بحديث الرجل الذي قال لبنيه: (إذا أنا متُّ فحرقوني...).

قال-رحمه اللّه-:

24- (وسئل أيضًا الشيخ عبد اللّه بن الشيخ-رحمهما اللّه تعالى-عن حال من صدر منه كفر من غير قصد منه بل هو جاهل، هل يعذر، سواءً كان قولًا، أو فعلًا، أو توسلًا؟

فأجاب: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن باللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ما يكون فعله كفرًا، أو اعتقاده كفرًا، جهلًا منه، بما بعث اللّه به رسوله-صلى الله عليه وسلم-، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبُيّن له ما جاء به الرسول ، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه، فهذا هو الذي يكفر وذلك لأنّ الكفر: إمّا([41])يكون ومخالفة كتاب اللّه وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة.

واستدلواْ بقوله تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)(الإسراء: 15)، وبقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) إلى قوله: (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (الزمر:71).

واستدلواْ أيضًا: بما ثبت في الصحيحين والسنن، وغيرها من كتب الإسلام، من حديث حذيفة-رضي اللّه عنه-أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-قال: (إنّ رجلاً ممن كان قبلكم، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر، فو اللّه لئن قدر اللّه علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحدًا من العالمين، فأمر اللّه البحر فجمع ما فيه، وأمر اللّه البر فجمع ما فيه، ثم قال له كن فإذا الرجل قائم، قال اللّه: ما حملك على ذلك قال: خشيتك ومخافتك، فما تلافاه أن رحمه)([42])، فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل به ذلك، لا يقدر اللّه على بعثه جهلًا منه لا كفرًا ولا عنادًا، فشك في قدرة اللّه على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه، وكل من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، واللّه أعلم)([43])

وقال-رحمه اللّه–؛-أي الشيخ عبد الله-في سياق المبحث الثالث: (عمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس، وأصول الإيمان الستة، ولكنه كان يدعوا وينادي، ويتوسل في الدعاء، إذا دعا ربه، ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدًا على الحديثَين([44]) الذين ذكرناهما، أو جهلًا منه وغباوةً ؛ كيف حكمهم؟.

فالجواب أن يقال:

25- قد قدمنا الكلام على سؤال الميت والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه وبين التوسل به في الدعاء، وأنّ سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الشرك الأكبر، الذي حرمه اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله، والبراءة منه ومعاداته.

ولكن في أزمنة الفترات وغلبة الجهل، لا يكفر الشخص المعين بذلك حق تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له، ويعرف أنّ هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه اللّه ورسوله-صى الله عليه وسلم-، فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه، و لم ينبه على ذلك.

فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصرَّ على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأنّ محمدًا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ويصلي ويزكي ويؤمن بالأصول الستة)([45]).

26- قال الشيخ عبد اللطيف-رحمه الله-: (كان شيخنا يُقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته . وتارة يقول إذا كنا لا نكفر من يعبد قبة الكواز ، ويقول -أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في بعضها : وأمَّا من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله)([46]) .

وقال الشيخ سليمان بن سحمان([47])-رحمه الرحيم المنان-عن أسئلة وجهت إليه، منها:

27- (ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر، بل جاهل؟ ومن ظاهره الكفر؟ ومن ظاهره المعاصي دون الكفر؟

فالجواب: وأمّا من مظاهره: لا إسلام ولا كفر، بل هو جاهل فنقول: هذا الرجل الجاهل، إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم، ولو كان جاهلًا بتفاصيل دينه، فإنه ليس على عوام المسلمين ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم، مما شرعه اللّه ورسوله من الأحكام الدينية.

بل عليهم: أن يؤمنوا بما جاء به الرسول، إيمانا عاما مجملًا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام في المنهاج، وإن لم يوجد معه الأصل، الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، فهو كافر، وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه، لا عَلِمَه، ولا تعلمه، ولا عمل به.

والتعبير بأنّ ظاهره لا إسلام ولا كفر، لا معنى له عندي؛ لأنه لا بد أن يكون مسلمًا جاهلًا، أو كافرًا جاهلًا، فمن كان ظاهره الكفر، فهو كافر، ومن كان ظاهر المعاصي، فهو عاص، ولا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، بعد قيام الحجة عليه)([48]).

28- قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فيما نقله عنه ابن سحمان - رحمه اللّه - ما نصه: (وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم، وعدم وجود من يُنَبِّهَهُم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا)([49]).

قال الشيخ سليمان بن سحمان بعد كلام طويل له:

29- (... فإذا تحقق من هذا فالشيخ-رحمه اللّه-([50])لم يقاتل من قاتل من أهل نجد وغيرهم، إلا من أقام على كفره وجدّ في إطفاء نور الله وإنكاره وتوحيده ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابها، و لم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله، ووجوب الكفر بما عبد من دونه، فالخصومة في الأصل الأصيل وحسبنا الله ونعم الوكيل)([51]).

وقال أيضا ً- رحمه اللّه- فيما نقله عنه ابن سحمان في رسالته للشريف ما نصه:

30- (وأمّا الكذب والبهتان مثل قولهم أنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا، على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ويقاتل، ومثل هذا وأضعافُ أضعافه، وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين اللّه ورسوله، وإذا كنَّا لا نكفر من عَبَدَ الصنم، الذي على قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من يُنَبِّهَهُم، فيكف نكفر من لم يشرك بالله أولم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم).

وعلق على هذا الكلام الشيخ ابن سحمان-رحمه اللّه–بقوله:

31- (فإذا كان هذا كلام الشيخ-رحمه اللّه-فيمن عبد الصنم الذي على القبور، إذا لم ييسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق التكفير لجميع أهل الأرض ويقاتلهم على ذلك وينهب أموالهم، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه؟ بل لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، بل ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب-أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات وأجمع عليه المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم وعدل عن مناهجهم، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عُباد القبور-، بل قوله مما أجمعت عليه الرسل واتفقت عليه الكتب كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وقصدوه، ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع)([52]).

قال الشيخ عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب:

32- (وتأمل كلامه-يعني شيخ الإسلام ابن تيمية-فيمن دعا نبيًا أو وليًا أن يقول: يا سيدي فلان، أغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحًا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة عليهم)([53]).

سئل الشيخ عبد اللّه بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن بناء القباب على القبور هل يكون علامة على كفر بانيها ؟

فأجاب:

33- هذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان الباني قد بلغه هدي الرسول-صلى الله عليه وسلم-في هدم البناء عليها وفيه عن ذلك وعاند وعصى، أو منع من أراد هدمها من ذلك، فذلك من علامة الكفر. وأما من فعل ذلك جهلًا منه بما بعث الله به رسوله- صلوات اللّه وسلامه عليه-، فهذا لا يكون علامة على كفره، وإنما يكون علامة على جهله وبدعته وإعراضه عن البحث عمَّا أمر اللّه به ورسوله-صلوات اللّه وسلامه عليه- في القبور)([54]).

بين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير فقال:

34- (فإنه-أي الشيخ محمد-لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر والكفر بآيات اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، أو بشيء منها بعد الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عَبَدَ الصالحين ودعاهم مع اللّه، وجعل أندادًا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية)([55]).

وقال الشيخ سليمان بن سحمان :

35- (أما تكفير المسلم، فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-من أعظم الناس توقّفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حق إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير اللّه، من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها.

قال في بعض رسائله: وإن كنا لا نكفر من عبد قبة الكوّاز؛ لجهلهم وعدم من يُنَبِّهَهُم، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور)([56]).

وغير هذه الأقوال كثيرة جدًا في رسائل الشيخ محمد-رحمه اللّه-ورسائل أحفاده وتلاميذه من أئمة الدعوة، وليس المجال هنا للاستقصاء، ولكن للتدليل والتمثيل لما قلنا من وجوب قيام الحجة الشرعية على من تلبّس بشيء من الشرك، ثم يصر معاندًا حتى يمكن الحكم عليه بالكفر.

كما لا بد من إزالة الشبهة مع الإبلاغ، وإلا فالعذر ثابتٌ في حق أولئك العوام المتلبسين بأنواع من الشرك حتى يوجد من يُنَبَّهَهُم ويقيم عليهم الحجة الشرعية، واللّه أعلم)([57]).

وبعدما نقلت لك أخي القارئ كلام أئمة الدعوة-رحمهم اللّه-في مسألة إقامة الحجة على المعيّن ننتقل إلى مسألة أخرى لطالما دار حولها الجدال ألا وهي: (مسألة فهم الحجة)، هل يشترط مع إقامة الحجة فهمها أم لا ؟

قد فهم من بعض كلام أئمة الدعوة، عدم اشتراط فهم الحجة وهو فهم خاطئ لمرادهم وليس مقصودهم-رحمهم اللّه-، أن الضال عن الحق في العقيدة وغيرها تقوم عليه الحجة، بمجرد قراءة القرآن والأحاديث النبوية، والدليل على ذلك:

نص كلام شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب-رحمه اللّه-فقد قال: (وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم،([58])فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(النور: 16).

وقال أيضًا:

(وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته، بعد ما نبيّن له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد التي يشرك باللّه عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها، واللّه المستعان،والسلام)([59])

 

وقال الشيخ سليمان بن سحمان :

(أما تكفير المسلم، فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه اللّه-من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه([60])ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها.

قال في بعض رسائله: وإن كنا لا نكفر من عبد قبة الكوّاز؛ لجهلهم وعدم من ينبههم، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور)([61]).

وقد ذهب إلى هذا-أيضاً-الشيخ عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب-رحمهما الله-إذ قال عقب سؤال وجه إليه:

(إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا، أو اعتقده كفرًا جهلًا منه بما بعث الله به رسوله ، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة وبُيِّن له ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة فهذا الذي يكفر، وذلك لأن الكفر إما يكون بمخالفة كتاب اللّه وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة، وكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، واللّه أعلم)([62]).

فجعل-رحمه اللّه-الجهل مانعًا من تكفيره، حتى يعرف ما جاء به محمد-صلى الله عليه وسلم-ويُبَيَّن له.

وقال-رحمه اللّه-في سياق المبحث الثالث: (عمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس، وأصول الإيمان الستة، ولكنه كان يدعو وينادي، ويتوسل في الدعاء، إذا دعا ربه، ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدًا على الحديثين الذين ذكرناهما، أو جهلًا منه وغباوةً، كيف حكمهم؟

فالجواب أن يقال:

قد قدمنا الكلام على سؤال الميت والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه وبن التوسل به في الدعاء، وأنّ سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله، والبراءة منه ومعاداته. ولكن في أزمنة الفترات وغلبة الجهل، لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له، ويعرف أنّ هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمة اللّه ورسوله، فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه، ولم ينبه على ذلك، فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصرّ على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ويصلي ويزكي ويؤمن بالأصول الستة)([63]).

وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن عند تعليقه على كلام شيخ الإسلام ابن تيميه الذي قال فيه:

(ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة فِي كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-مما يخالفه:

فقال الشيخ عبد اللطيف: (وشيخنا-رحمه اللّه-قد قرر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداء بهم، ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه-رحمه اللّه-توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية-رحمه اللّه-)حتى يبين له ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-([64])

علق الشيخ محمد رشيد رضا ( ت 1345 )؛ على نص للشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول فيه:

(.. وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهمًا جليًا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره).

قائلاً: (هذا القيد الذي قيد الشيخ به الفهم هنا، قد أزال اللبس الذي يتبادر إلى الذهن من بعض إطلاقاته في مواضع أخرى، واتبعه فيه بعض علماء نجد، فصار بعضهم يقول: بأن الحجة تقوم على الناس ببلوغ القرآن وإن لم يفهمه من بلغه مطلقًا، وهذا لا يعقل ولا يتفق مع قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(النساء: ١١٥)الذي بنى عليه المحققون قولهم: إن فهم الدعوة بدليلها شرط لقيام الحجة).([65])

وهذا الذي قدمته لك أخي القارئ، من منهج أئمة الدعوة في اشتراط إقامة الحجة وفهمها، هو منهج العلماء المتقدمين والمتأخرين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء الربانيين أهل الحديث؛ وإليك أخي القارئ نص كلامهم-رحمهم الله-في هذه المسألة:

قال أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 )؛ في كتاب استتابة المرتدين من صحيحة: " باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(التوبة:١١٥)،قال العيني ( ت 855 ): (أشار البخاري بهذه الآية الكريمة أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم، والدليل عليه هذه الآية؛ لأنها تدل على أن اللّه لا يؤاخذ عباده حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون)([66]).

قال الإمام الشافعي ( ت 204 )-رحمه اللّه-: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر.([67])

وقال ابن قدامة المقدسي( ت 744 )-رحمه اللّه-بعد ذكره لجماعة من السلف استحلوا بعض المحرمات بتأويل فلم يكفروا :

(فيخرّج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم، وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره، حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك)([68]).

ومن أدلة السنة الصحيحة ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم-له من غير ما وجه : (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة: فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً.

وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر.

وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل .

وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطعنه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار .

قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها)([69])قال أبو هريرة : فاقرءوا إن شئتم: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا).

قال ابن العربي(ت 543) : (فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا كافرًا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحًا ما يتلبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًا، يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل)([70])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية(ت 728)–رحمه الله-بعد كلام له طويل في مسألة التكفير والتفسيق ما نصه:

(وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم، بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار، لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدعة أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحدٍ أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حق تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة)([71]).

قال شيخ الإسلام وهو بصدد الكلام على الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع ما نصه:

(وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حق تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن اللّه سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)(النساء:10)

فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرط، أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى. بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع.

 

وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره اللّه تعالى بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق، وأخطأ، فإن اللّه يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواءً كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-وجماهير أئمة الإسلام وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها)([72]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه اللّه-: (وهكذا من كان مؤمنًا باللّه ورسوله إيمانًا مطلقًا، و لم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنه لا يحكم بكفره حي تقوم عليه الحجة التي من خالفها كفر، إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من القرآن، ويجهل كثيرًا مما يرد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان)([73]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه اللّه-:

(... والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول-صلى الله عليه وسلم-ما هو لائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع قي هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال، وأما بالمعنى الذي نفاه رسول اللّه! فهو أيضًا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير اللّه ما لا يكون إلا للّه فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها)([74]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري ما نصه:

(فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق اللّه تعالى، وكذلك التكفير حق للّه فلا يكفر إلا من كفره اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-.

وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيء من الدين يكفر، ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة([75])واتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حق يتبين لهم الحق، وإذا أصروا على الجحود كفروا، وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم...)

فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر اللّه على إعادته وأنه لا يعيده أو جوز ذلك وكلاهما كفر، لكن كان جاهلًا لم يتبين له الحق بيانًا يكفر بمخالفته فغفر اللّه له، ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية من النفاة الذين نفوا أن اللّه تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر،

 

وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا الخطاب لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم)([76]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه اللّه–أيضًا: (وكثيرٌ من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرج فيها كثير من علوم النبوات، حق لا يبقى من يبلِّغ ما بعث اللّه به رسوله-صلى الله عليه وسلم-من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث اللّه به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر.

ولهذا اتفق الأئمة: على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، أو كان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة([77])، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-)([78]).

وسئل-رحمه اللّه تعالى-عن هؤلاء(القلندرية)الذين يحلقون ذقونهم: ماهم ؟ ومن أي الطوائف يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول اللّه أطعم شيخهم قلندر عنباً، وكلمه بلسان العجم ؟

فأجاب:

أما هؤلاء " القلندرية " المحلقي اللحى، فمن أهل الضلالة والجهالة، وأكثرهم كافرون باللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وهم ليسوا من أهل الملة،

ولا من أهل الذمة وقد يكون فيهم من هو مسلم، لكن مبتدع ضال، أو فاسق فاجر

 

ومن قال: إن (قلندر) موجود في زمن النبي-صلى الله عليه وسلم-فقد كذب وافترى، بل قد قيل: أصل هذا الصنف أنهم كانوا قومًا من نُساك الفرس، يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات.

هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه، ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات، وفعلوا المحرمات، بمنزلة(الملامية)الذين كانوا يخفون حسناتهم، ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زيي الأغنياء، ولبس العمامة، فهذا قريب، وصاحبه مأجور على نيته.

ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة ؛ ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات، وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أن ذلك دخول منهم في(الملاميات)ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من اللّه في الدنيا لي الآخرة، وتجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور.

وليس ذلك مختصًا بهم، بل كل من كان من المتنسكة، والمتفقهة، والمتعبدة، والمتفقرة، والمتزهدة، والمتكلمة، والمتفلسفة، ومن وافقهم من الملوك، والأغنياء، والكتّاب، والحسّاب، والأطباء، وأهل الديوان والعامة، خارجًا عن الهدى ودين الحق الذي بعث اللّه به رسوله-صلى الله عليه وسلم-، لا يقر بجميع ما أخبر اللّه به على لسان رسوله-صلى الله عليه وسلم-، ولا يحرم ما حرمه اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث اللّه به رسوله-صلى الله عليه وسلم-باطنًا وظاهرًا.

مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه ؛ أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه، أو يعينه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي-صلى الله عليه وسلم-تفضيلا مطلقًا، أو مقيدًا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى اللّه تعالى، أو كان يرى ألْه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول-صلى الله عليه وسلم-فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه.

وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك.

وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر اللّه فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيام، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركما آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا اللّه، فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا اللّه؟ فقال: تنجيهم من النار)([79]).

وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال هي: كفر قولًا يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن (الإيمان) من الأحكام المتلقاة عن اللّه ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه.

مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام ؛ أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره و لم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قاله، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية اللّه وغير ذلك، حق يسألوا ذلك رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-.

ومثل الذي قال: (إذا أنا مت فاسحقوني، وذروني في اليم، لعلي أضل عن اللّه)([80])، ونحو ذلك، فإن هؤلاء يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة.

كما قال اللّه تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(النساء: 165) وقد عفى اللّه لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان) ([81]).

قال ابن القيم( ت 751 )-رحمه اللّه-:

(إنّ العذاب يستحق بسببين:

أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بموجبها.

الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى اللّه التعذيب عنه حق تقوم حجة الرسل)([82])

وقال ابن القيم: (إنّ قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة اللّه على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية، دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص، دون آخر إما لعدم عقله، وتمييزه، كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب و لم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذي يدلون على اللّه بالحجة يوم القيامة)([83]).

قال ابن القيم-رحمه اللّه-في كتابه(مفتاح دار السعادة)تحت فصل: المعرضون عن الذكر:

 

(فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)(الزخرف: 37)، قيل: لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال، الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-ولو ظن أنه مهتد فإنه مفرط بإعراضه عن إتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أتي من تفريطه وإعراضه، وهذا بخلاف من كان على ضلالة لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكمٌ آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني: فإن اللّه لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)( الإسراء: ١٥) ، وقال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)( النساء: 165)، وقال تعالى في أهل النار: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)(الزخرف: ٧٦) ) ([84]).

قال ابن القيم - رحمه اللّه- أيضًا: ( وأما بأي شيء تقوم الحجة: فهذا يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، فما تقوم الحجة في عصور ازدهار العلم غير ما تقوم به في عصور انحطاطه، وما تقوم به في المدن غير ما تقوم به في البوادي البعيدة عن العلم وأهله، كما أن الحجة تختلف من شخص إلى آخر بحسب تفاوت الناس في العلم وقدراتهم، فليراع كل ذلك .

والعبرة في قيام الحجة بأن يفهمها ذلك الشخص المعيّن فهما يدرك به مخالفته للحجة التي يكفر بخلافها، ولا يشترط فهمه لها فهمًا دقيقًا، كما يفهمها أهل العلم والإيمان، كما لا يشترط إقراره بالفهم بل يرجع ذلك لتقدير المبلغ له هل فهمه أو لم يفهم، لأن كثيرًا من أهل الكفر و النفاق ينكرون الحجة بعد فهمهم لها وعلمهم بها كما أخبر اللّه تعالى بذلك عن قوم فرعون في قوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(النمل: ١٤) ([85]).

يقول الإمام الذهبي(ت 748)-رحمه الله-: (فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، واللّه لطيف رؤوف، قال تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)( الإسراء: ١٥)وقد كان سادة الصحابة-رضي اللّه عنهم-بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص، واللّه أعلم)([86]).

وسئل الشيخ العلامة حافظ حكمي(ت 1377)–رحمه الله–في كتابه الماتع(أعلام السنة المنشورة): ماهي البدع المكفرة؟.

الجواب: (هي كثيرة، وضابطها: من أنكر أمرًا مُجْمَعًا عليه متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل اللّه رسله، كبدعة الجهمية في إنكار صفات الله عز وجل، والقول بخلق القرآن، أو خلق أي صفة من صفات الله-عز وجل-، وإنكار أن يكون اللّه اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وكبدعة المجسمة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه، وغير ذلك من الأهواء، ولكن هؤلاء منهم من عَلِمَ أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه، فهذا مقطوع بكفره بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له، وآخرون مغرورون ملبس عليهم، فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليه وإلزامهم بها)([87]).

 

فائدة مهمة :

علق الشيخ محمد رشيد رضا على كلام للشيخ أبا بطين([88])في مسألة الفرق بين قيام الحجة وفهمها ما نصه:

(في هذه المسألة نظر وقد اختلف فيها كبار علماء نجد المعاصرون في مجلس الإمام عبد العزيز بن فيصل آل سعود الملك بمكة المكرمة فكانت الحجة للشيخ عبد اللّه بن بليهد([89])بأن العبرة بفهم الحجة لا بمجرد بلوغها من غير فهم وأورد لهم نصاً صريحاً في هذا من كلام المحقق ابن القيم- رحمه اللّه- فقنعوا به) ([90]).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين–رحمه الله –، هل يعذر الإنسان بالجهل فيما يتعلق بالتوحيد؟

فأجاب بقوله: (العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبد ربه، لأن اللّه-سبحانه وتعالى-قال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)(النساء: ١٦3) حتى قال- عز وجل- : (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(النساء:165)

ولقوله تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)( الإسراء: ١٥) ولقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(التوبة: 115).

ولقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي واحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار)([91]). والنصوص في هذا كثيرة، فمن كان جاهلًا، فإنه لا يؤاخذ بجهله في أي شيء كان من أمور الدين، ولكن يجبُ أن نعلم أن من الجهلة من يكون عنده نوع من العناد، أي أنه يذكر له الحقّ ولكنه لا يبحث عنه، ولا يتبعه، بل يكون على ما كان عليه أشياخه، ومن يعظّمهم ويتّبعهم، وهذا في الحقيقة ليس بمعذور، لأنه قد بلغه من الحجّة ما أدنى أحواله أن يكون شبهة يحتاج أن يبحث ليتبين له الحق.

وهذا الذي يعظم من يعظّم من متبوعيه شأنه شأن من قال اللّه عنهم: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(الزخرف: 23)، وفي الآية الثانية: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)( الزخرف: ٢٢).

فالمهم أن الجهل الذي يعذر به الإنسان بحيث لا يعلم عن الحق، ولا يذكر له، هو رافع للإثم، والحكم على صاحبه، مما يقتضيه عمله، ثم إن كان ينتسب إلى المسلمين، ويشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمد رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-، فإنه يعتبر منهم، وإن كان لا ينتسب إلى المسلمين فإن حكمه حكم أهل الدين، الذي ينتسب إليه في الدنيا. وأما في الآخرة فإن شأنه شأن أهل الفترة يكون أمره إلى اللّه- عز وجل-يوم القيامة.

وأصحّ الأقوال فيهم أنهم يمتحنون بما شاء اللّه، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار، ولكن ليعلم أننا اليوم في عصر لا يكاد مكان في الأرض إلا وقد بلغته دعوة النبي-صلى الله عليه وسلم-، بواسطة وسائل الإعلام المتنوعة، واختلاط الناس بعضهم ببعض، وغالبًا ما يكون الكفر عن عناد)([92]).

فتوى صادرة عن سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ/عبد العزيز بن عبد اللّه آل الشيخ- حفظه اللّه-، في مسألة العذر بالجهل، وإليك نصها:

(سؤال: في بعض الدول الإسلامية طوائف تكفر كل من خالف منهجها، أيًا كان هذا الشخص حتى لو أنه من أهل تلك البلد، ما القول الفصل في مسألة التكفير والتفسيق خاصة للشخص المعين، وهل هناك ضوابط أو صفات إذا اتصف بها الشخص أو جماعة حكم بكفره أو كفرهم؟

الجواب: التكفير والتنسيق والتبديع والتضليل، كل هذه أحكام شرعية لها آثارها العملية في ديننا، والمرجع فيها لأهل العلم الراسخين الموثوقين، وليس لكل أحد من الناس التصدي لهذا الأمر فإنه أمر خطير ومزلة قدم:

فعن ابن عمر-رضى اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما يقول وإلا رجعت عليه) متفق عليه.

وعن أبي ذر-رضى اللّه عنه- أنه سمع رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم-يقول: (من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو اللّه، وليس كذلك إلا حار عليه) متفق عليه.

ومعنى-حار عليه-أي: رجع عليه.

 

فالأمر خطير وليس كل من خالف قولك فهو كافر، فالأمور التي يكفر بها المسلم إذا تلبس بها أمور قد بينها أهل العلم في كتبهم في كتاب حكم المرتدين، من سائر المذاهب ومرجعها إلى ثلاثة أصول: الاعتقاد وهو أعظمها، والقول، والعمل. وليس كل من قام به الكفر فهو كافر، أي ليس كل من وقع في الكفر أو الفسق أو البدعة يحكم عليه بأثر ذلك من تكفير وتفسيق وتبديع، كلا؟ بل لا بد من قيام المقتضى وانتفاء المانع، والمقتضي للتكفير أمور:

منها: وقوع الشخص في الكفر.

ومنها: قيام الحجة الرسالية عليه من رجل يحسن إقامة الحجة عليه، إلى غير ذلك.

وكذلك أيضًا يجب أن ينتفي المانع من التكفير كالإكراه، أو عدم القصد، أو نحو ذلك، وعليه فالواجب على المسلمين عمومًا كَفُ ألسنتهم وعدم الخوض في هذا المرتع الوخيم، وأن يترك هذا لأهل العلم الراسخين)([93]).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتابه(شرح كشف الشبهات)بعد نقله لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في إقامة الحجة على المعيّن:

(والحاصل أن الجاهل معذور، مما يقوله أو يفعله مما يكون كفرًا كما يكون معذورًا مما يقوله أو يفعله مما يكون فسقًا، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة والاعتبار، وأقوال أهل العلم)([94]).

وقال أيضاً قبل هذا الكلام:

(فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:

الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفِّر، لئلا يفتري على اللّه الكذب.

الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعيّن بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي الموانع)([95]).

(والخلاصة: أن أدلة العذر بالجهل عامة وشاملة؛ لعموم الأدلة القرآنية وللدلالة الصريحة من نصوص السنة على ذلك.

وهذا هو الذي فهمه أئمة أهل السنة وقرروه في مصنفاتهم، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة من بعده.

وخلاصة ما ذهبوا إليه في هذه المسألة: أن حديث العهد بالإسلام أومن نشأ ببادية بعيدة ومن فِي حكمهم مثل من ينشأ في بيئة ينتشر فيها الشرك، ويقل فيها الدعاة إلى التوحيد، فهؤلاء يعذرون بالجهل في جميع ما يدينون به اللّه حتى تقام عليهم الحجة التي يكفر تاركها).([96])

وفي ختام هذا البحث، أنصح نفسي وإخواني طلبة العلم، أنه لا بد من الرجوع إلى أهل العلم والإيمان في كل قضايا الدين، وخاصة قضية الكفر والإيمان، فهي من أخطر القضايا التي عاشتها الأمة الإسلامية عبر التاريخ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه اللّه-:

(وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان، فيهم العلم والعدل والرحمة فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون فيمن خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8 )

ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون لهم الشر ابتداءً، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين كله للّه، وأن تكون كلمة اللّه هي العليا)([97]).

وأقول مثل ما قال الشيخ العلامة عبد اللّه بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمهما اللّه–: (هذا ما هم عليه)([98])مخاطبين من له عقل وعلم وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال)([99]).

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 

 

 

 

 

كتبه:

أبو عبد الرحمن رشيد بن أحمد عويش المغربي.

للثاني من ربيع الآخر، لعام 1421 للهجرة النبوية الشريفة.

بمكة المكرمة-حرسها الله-.

 

 

 

([1]) أطلق هذا اللفظ على الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من تلامذته وأولاده وأحفاده – رحمهم الله – لأنهم اختصوا بالدعوة إلى التوحيد والإتباع، وتجديد معالمه، وتشييد مدارسه وبرزوا في هذا الجانب في وقت انتشرت فيه البدع، وطم الشرك، فتصدوا لذلك على علم وبصيرة، وبجد ومثابرة، حتى أقاموا الإسلام من جديد، وأسهموا في محو معالم الشرك وتنقية الدين من شوائب البدع والمحدثات؛ فرحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته – آمين - ." تقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله" (43 ) بتصرف يسير .

([2]) انظر كتاب: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه" للشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي بن علي قاضي المحكمة الشرعية بدولة قطر، تقديم الإمام عبد العزيز بن باز – رحمه الله - .

تنبيه: ما كان بين معكوفتين فهو من كلامي.

 

([3]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/73) .

([4]) أخرجه أحمد في مسنده (22448)، وأبو داود في سننه (4252)، وابن ماجه في سننه (3952)، والحاكم في مستدركه (9890). وأما اللفظ الذي ذكره الشيخ – رحمه الله - فهو من رواية البرقاني في صحيحة .

([5]) الدرر السنية (1/87) .

([6]) الدرر السنية (1/99-100) .

([7]) الدرر السنية (1/102-104).

([8]) يقصد بالشيخ هنا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - .

([9]) لا يفهم أحد من كلام الشيخ – رحمه الله - أن مجرد قراءة القرآن على من يعبد غير الله تكون كافية في إقامة الحجة عليه؛ بل هو يتكلم- رحمه الله - على من كان حاله مثل حال كفار قريش في فهم القرآن؛ لأنه أنزل بلغتهم. أما في عصرنا هذا فقد الجهل وقل العلم والعلماء، فلا بد من أن يفهم الحجة، خاصة إذا كان في بادية بعيدة أو بلد ليس فيها علماء، ولذلك قال الشيخ – رحمه الله - : "وخلا من شيء يعذر به"، وسيأتي الكلام حول فهم الحجة.

Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article